محمد غازي عرابي
688
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الشريعة التي ثبت صلاحها لكل زمان ومكان ، مع ترفعها في الوقت نفسه عن تطورات العلاقة بين الزمان ومكان ، وتجد الناس عبر التاريخ يتبنون أنظمة ، ثم يكتشفون خطلها فيرتدون عنها ، أما الإسلام فلقد ازداد الناس به تعلقا على مرور الزمان بسبب كونه سبحانه عالم السر الإنساني الذي به كان الإنسان إنسانا . أما السر القرآني فهو مواكبة العلوم العصرية لما جاء في كتاب اللّه ، وهذا ما حدا بالعلامة مصطفى محمود إلى وضع كتابه في التفسير العصري للقرآن . فلو كان القرآن من عند غير اللّه لأتى العلم بأشياء ومكتشفات قد تخالف ما جاء في القرآن ، الأمر الذي يثبت عندئذ كون القرآن من تأليف بشر لا من تأليف رب البشر . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 7 ) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً ( 8 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 9 ) [ الفرقان : 7 ، 9 ] خلق اللّه الإنسان ، وعلمه البيان ليظهر علمه به وعلى يديه ، فلو لا الإنسان ما كان للعلم الإلهي أن يظهر ، وهذا هو السر الذي فضل اللّه به آدم على ملائكة المعقولات ، لأن هذه الملائكة من دون الإنسان لا عمل لها ، فكيف تمارس هذه الخواطر عملها ؟ ولقد أنكر الكافرون على الرسول أن يكون بشرا مثلهم . فهم يريدون خلقا فوق الإنسان تنزل عليه الحقيقة ويخرجها للناس وهذا مستحيل وفيه جهل لقيمة الإنسان . فالإنسان هو العقد الفريد والدرة اليتيمة ، وتفاضل الناس فيما بينهم هو الذي يجعل من إنسان ومن آخر حيوانا أو شبيها بالحيوان ، وهذا ما أشار إليه ابن عربي حين أطلق اسم الإنسان الكامل والإنسان الحيوان على الناس . والنبي مظهر الحقيقة ، وفي ذاته وعلى لسانه ظهرت ، وآلة النبي جسد مثل أجساد البشر ، وهو بلا هذه الآلة لا يستطيع أن يؤدي مهمته ، قال سبحانه قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [ الكهف : 110 ] فما امتاز النبي عن البشر إلا بالوحي الإلهي الذي يوحي إليه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 10 ] تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 10 ) [ الفرقان : 10 ] الإشارة إلى قيمة النبي الحقيقية ، وقيمته في علمه ، وإلى هذا العلم أشير في الآية بالأنهار والقصور ، فالإنسان في رحلة عودته إلى ربه يعيش أحوالا ويمر بمقامات ، وهذه المقامات هي